من مرضى"كورونا" إلى مصابين الانفجار.. حكاية طبيبة لبت نداء بيروت

كتبت- إشراق أحمد: صورة رئيسية- لورينزو توجنولي: حين أُعلن عن ظهور أولى حالات فيروس كورونا المستجد في لبنان، 21 فبراير الماضي، كانت فرح وهبي ضمن الطواقم الطبية المواجهة للوباء، انتقلت المصابة إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي، مكان عمل الطبيبة، ومن يومها صارت فرح في الخطوط الأمامية لاستقبال .

المصابين، تُجري المسحات وتوجه بالعلاج، لكن مع وقوع انفجار بيروت في الرابع من أغسطس الجاري، تغيرت مهمة طبيبة مستشفى الحريري إلى تضميد جراح ضحايا انفجار مرفأ بيروت.

يوم الانفجار، أنهت فرح دوام عملها مع الرابعة عصرًا، ذهبت رفقة صديقة لها لشراء بعض الاحتياجات، داخل مبنى تجاري (مول) يبعد نحو ثلاثة أمتار عن مرفأ بيروت، زُلزلت الأرجاء "وقع علينا السقف الزجاجي والحجارة"، تطايرت الأبواب وامتلأ المكان بالدخان، لم يمس الطبيبة الأذى ولا صديقتها، ظنت فرح حينها أن ثمة تفجيرًا استهدف المبنى، تسمرت لدقيقة لا تعرف ما القرار الأفضل، هل تغادر المكان أو تبقى داخله مع احتمالية وقوع تفجير آخر؟ حسمت حالة صديقة فرح القرار بالمغادرة "انهارت لأن زوجها كان بعيدًا وفقدناه ولم نجده إلا عندما خرجنا من المبنى".

لحظات عصيبة عاشتها الطبيبة، لم تكن تعلم أنها لم تنته بعد؛ بينما في طريقها للمنزل رن هاتفها، طالبها المستشفى بالقدوم لأن الجرحى يتوافدون، لم تتردد فرح؛ لبت المتخصصة بالطب الداخلي (طبيبة باطنة) النداء "نسيت التوتر وما حصل معي من دقائق وهرعت إلى المستشفى للمساعدة".

في مستشفى الحريري، جنوب بيروت، رأت الطبيبة وقع ما عايشت لحظات منه، التقت كافة درجات الإصابة "طفل أصابته قطعة زجاج فألحقت ضررًا كبيرًا في عينه واقتلعت أذنه وأُدخل إلى العمليات بحالة طارئة وامرأة متوسطة العمر عانت من نزيف حاد في يديها نتيجة إصابة الأعصاب والشرايين أدخلت كذلك إلى العمليات"، وجرحى أخرون مصابون بشظايا مختلفة من ركام وزجاج في كافة أنحاء جسدهم.

عملت الطبيبة في أجواء كارثية، أُخرج مخزون المستلزمات الطبية المتواجد بمستودع المستشفى، استنفد كل ما هو متوفر لتقديم العناية للضحايا حسب قول فرح، لزم عليها مداواة الجرحى، فيما تعلم أن رفاقًا لها تأذوا جراء الانفجار، ومنزلها الواقع في محيط بيروت تضرر حال الكثير، لكن ليس ثمة فرصة للذهاب، وحتى المستشفى لم يسلم مما جرى، طاله الانفجار الواقع على بعد نحو 7 كيلو مترات منه بتحطيم الزجاج، وهو وقع أقل مما شهدته المستشفيات الأقرب للحادث ما تقول الطبيبة.

ربطت فرح على قلبها "كنا مجبورين نبقى أقوياء لمساندة المرضى ومعالجتهم".

وقت عودة الطبيبة إلى العمل، كانت قد أنهت مناوبتها لـ48 ساعة، لم يقطعها سوى ساعات الانفجار؛ لترجع إلى المستشفى وتداوم عملها حتى فجر اليوم التالي "ارتحنا بعدها 5 ساعات ورجعنا كملنا الدوام".

يومًا تلو الآخر، يزداد العمل داخل مستشفى الحريري صعوبة، يتجاوز مصابو الانفجار 6 آلاف جريح حسب وزارة الصحة اللبنانية، في المقابل يرتفع معدل الإصابات بكورونا لأكثر من 7 آلاف إصابة، فيما يمتلئ "الحريري" بمرضى الفيروس المستجد، بعد نقل حالات المستشفيات المتضررة إلى المشفى الأكبر والأكثر استقبالاً لمصابي الوباء، تقول فرح "كنا نعمل حوالي 5 آلاف فحص يوميًا"، كانت الطبيبة تشارك في تقييم حالة المشتبه بهم، إن كان بحاجة لمسحة أو فحوصات أخرى، وتقديم العلاج، أما منذ الانفجار أصبحت المهمة مقتصرة على قسم الجراحة بالمستشفى.

تواصل مستشفى الحريري استقبال مرضى "كورونا"، تشير الصفحة الرسمية، أمس، إلى إجراء 871 فحصًا خلال الـ24 ساعة المنصرفة، فيما يتلقى الرعاية داخل المكان أكثر من 100 مصاب بالفيروس المستجد.

تمارس فرح الطب منذ 4 أعوام، لم تشهد فيها ليالي مرهقة مثل التي تمر بها منذ مطلع أغسطس الجاري، تخشى الطبيبة تصاعد الأعداد سواء جرحى الانفجار أو كورونا "إذا استمرت الزيادة سنصل لمرحلة تتعدى القدرة الاستيعابية للجميع"، لا تحمل ابنة بيروت فقط هّم ساعات العمل، إنما الوضع النفسي الذي ليست الطواقم الطبية ببعيدة عنه، تقول الطبيبة "ترك الانفجار أثرًا كبيرًا في القلب.

لن ننسى ولن نعيش أبدًا كما كنا من قبل".

منوعات      |         (منذ: 1 أشهر | 40 قراءة)
.